أبي منصور الماتريدي
574
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أن فيه تكلف المعاش ؛ ولهذا ما لا يقضى في كل مكان . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 130 إلى 134 ] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 ) وقوله : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ . ثم اختلف في الملة ؛ قيل : الملة : الدين . وقيل : الملة السنة . وقيل : الإسلام . وكله واحد . وقد ذكرنا هذا فيما تقدم . وقوله : إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ . بما يعمل من عمل السفه . ويحتمل : إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أي بنفسه ؛ فكان انتصابه لانتزاع حرف الخافض . وقيل « 1 » : جهل نفسه فيضعها في غير موضعها . وقوله : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا . بالنبوة والرسالة والعصمة . ويحتمل : ما جزاهم في الدنيا بثناء حسن لم ينقص من جزائهم في الآخرة . وقوله : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . في المنزلة والثواب . ويحتمل لَمِنَ الصَّالِحِينَ : لمن المرسلين . ويحتمل : أن يكون بشّره في الدنيا : أنه كان من الصالحين في الآخرة ؛ فيكون - في ذلك - وعد له بصلاح الخاتمة ، كما وعد محمدا صلى اللّه عليه وسلم مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأخر . وفي ذلك أيضا : وعد بصلاح الخاتمة - والله أعلم - فأخبر بما كان بشّره . ويجوز : تفاضلهم في الآخرة ، على ما كانوا عليه .
--> ( 1 ) قاله ابن كيسان والزجاج كما في تفسير البغوي ( 1 / 117 ) .